الشيخ محمد هادي معرفة

280

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

إلى غير عودة فلا يملكون لها ردّا ، فيقدّم هذا المعنى مصوّرا في قوله : « وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً » . « 1 » ويدعك تتخيّل صورة الهباء المنثور ، فتعطيك معنى أوضح وآكد للضياع الحاسم المؤكّد . * أو يرسم هذه الصورة المطوّلة بعض الشيء لهذا المعنى نفسه : « مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ » . « 2 » فتزيد الصورة حركةً وحياةً بحركة الريح في يوم عاصف ، تذرو الرماد وتذهب به بددا إلى حيث لا يجتمع أبدا . * ويريد أن يبيّن للناس أنّ الصدقة التي تُبذَل رياءً والتي يتبعها المنّ والأذى لا تثمر شيئا ولا تبقى ، فينقل إليهم هذا المعنى المجرّد في صورة حسّية متخيّلة على النحو التالي : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً » . « 3 » ويدعهم يتملّون « 4 » هيئة الحجر الصلب المستوي ، غطّته طبقة خفيفة من التراب فظنّت فيه الخصوبة ، فإذا وابل من المطر يصيبه ، وبدلًا من أن يُهيّئه للخصب والنماء - كما هي شيمة الأَرض تجودها السماء - أذابه - كما هو المنظور - يتركه صلدا ، وتذهب تلك الطبقة الخفيفة التي كانت تستره ، وتُخيِّل فيه الخير والخصوبة . ثمّ يمضي في التصوير لإبراز المعنى المقابل لمعنى الرياء : « وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » . « 5 » فهنا الوجه الثاني للصورة ، والصفحة المقابلة للصفحة الأولى . فهذه الصدقات التي

--> ( 1 ) - الفرقان 23 : 25 . ( 2 ) - إبراهيم 18 : 14 . ( 3 ) - البقرة 264 : 2 ، والصلد : النقي . ( 4 ) - تملّ الشيء : تأمّله وقلّبه لينظر فيه . ( 5 ) - البقرة 265 : 2 .